أبي حيان الأندلسي

677

البحر المحيط في التفسير

وقبح المنة ونهى عنها ، ثم ذكر القصد فيها من الرياء وابتغاء رضا اللّه ، ذكر هنا وصف المنفق من المختار ، وسواء كان الأمر للوجوب أو للندب . والأكثرون على أن : طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ هو الجيد المختار ، وأن الخبيث هو الرديء . وقال ابن زيد : من طيبات ، أي : الحلال والخبيث الحرام ، وقال علي : هو الذهب والفضة . وقال مجاهد : هو أموال التجارة . قال ابن عطية : قوله مِنْ طَيِّباتِ يحتمل أن لا يقصد به لا الحل ولا الجيد ، لكن يكون المعنى كأنه قال : أنفقوا مما كسبتم ، فهو حض على الإنفاق فقط ، ثم دخل ذكر الطيب تبيينا لصفة حسنه في المكسوب عاما ، وتقريرا للنعمة . كما تقول : أطعمت فلانا من مشبع الخبز ، وسقيته من مروي الماء ، والطيب على هذه الجهة يعم الجودة ، والحل ، ويؤيد هذا الاحتمال أن عبد اللّه بن مغفل قال : ليس في مال المؤمن من خبيث . انتهى كلامه . وظاهر قوله : ما كَسَبْتُمْ عموم كل ما حصل بكسب من الإنسان المنفق ، وسعاية وتحصيل بتعب ببدن ، أو بمقاولة في تجارة . وقيل : هو ما استقر عليه الملك من حادث أو قديم ، فيدخل فيه المال الموروث لأنه مكسوب للموروث عنه . الضمير في : كسبتم ، إنما هو لنوع الإنسان أو المؤمنين ، وهو الظاهر . وقال الراغب : تخصيص المكتسب دون الموروث لأن الإنسان بما يكتسبه أضن به مما يرثه ، فاذن الموروث معقول من فحواه . انتهى . وهو حسن . و : من ، للتبعيض ، وهي في موضع المفعول ، و : ما ، في ما كَسَبْتُمْ موصولة والعائد محذوف ، وجوز أن تكون مصدرية ، فيحتاج أن يكون المصدر مؤولا بالمفعول ، تقديره : من طيبات كسبكم ، أي : مكسوبكم . وظاهر الآية يدل على أن الأمر بالإنفاق عام في جميع أصناف الأموال الطيبة ، مجمل في المقدار الواجب فيها ، مفتقر إلى البيان بذكر المقادير ، فيصح الاحتجاج بها في إيجاب الحق فيما وقع الخلاف فيه ، نحو : أموال التجارة ، وصدقة الخيل ، وزكاة مال الصبي ، والحلي المباح اللبس غير المعد للتجارة ، والعروض ، والغنم ، والبقر المعلوفة ، والدين ، وغير ذلك مما اختلف فيه .